محمد لطيف

أنا وعرمان.. وظلم ذوي القربى! “4”

أنا وعرمان.. وظلم ذوي القربى! “4”

 

 

تبدو رسالة استقالة السيد عبد العزيز آدم الحلو كرصاصة الرحمة.. إن لم يكن لوضع ياسر عرمان في قيادة الحركة.. فلشكل الحركة موحدة منذ اصطفافها الجديد في حربها الأخيرة ضد النظام.. والملاحظة الأولى.. وهذه سجلها السيد مالك عقار رئيس الحركة في تعميمه السري على أعضاء الحركة معترفا بالاستقالة.. أنها وجهت إلى مجلس تحرير إقليم جبال النوبة فيما كان ينبغي أن توجه إلى المجلس القيادي للحركة الشعبية.. ليطل السؤال: لماذا استهدف الحلو المكون النوبي دون غيره في الحركة..؟ والإجابة عن السؤال تستدعي بالضرورة استدعاء التاريخ المعاصر.. كما فعلنا في الحلقات والوقائع السابقة.. ولعلنا نذكر الآن أن الحرب قد بدأت في كادوقلي قبل أن تدفع إليها الدمازين دفعا.. وبعض أبناء النوبة يتذكر دائما أن أول (دانة) قد انطلقت في حرب الجبال الأخيرة قبل أن تحلق طائرة عرمان في سماء كادوقلي متجهة إلى الخرطوم.. وبعض أبناء النيل الأزرق.. بل بمن فيهم مقربون جدا من عقار.. زوجته نموذجا.. ظلوا يؤكدون أنه كان زاهدا في الحرب لولا محاصرة زملائه له في قيادة الحركة حد اتهامه بالخيانة العظمى لجهة موالاته للنظام الذي يقتل رفاقه في كادوقلي.. وكنت قد تحدثت إلى عقار بعد يومين من خروجه من الدمازين.. أو إخراجه منها كما قال لي هو يومها.. وأبدى رغبة مبكرة في تسوية.. ولكن..!
ويبدو الآن أنه لا جهد عرمان في دفع عقار للانضمام إلى الحلو في حربه هذه.. ولا اصطفاف عقار في خانة الحرب مع الحلو لم تشفع لهما عند الأخير.. فحرض عليهما المكون النوبي.. وأستطيع الآن أن أدعي أنني ومنذ أكثر من عامين قد تنبأت لهذا الأمر حين كتبت مرة وقلت مرات.. خاصة بعد تعثر جولات التفاوض الأولى.. أن ثمة فوارق بينة في مواقف القادة وشرحت.. أن الحلو يقاتل وعينه على كادوقلي.. وعقار يقاتل وعينه على الدمازين.. بينما يقاتل عرمان وعينه على الخرطوم.. أي أن أهداف معركة عرمان.. بل ومطلوباتها.. تبدو مختلفة جدا.. ولعل القشة التي قصمت ظهر بعير عرمان قد كانت هي موقفه الملتبس من المبادرة الأمريكية في الشأن الإنساني للمنطقتين.. كما أن أفضل تعبير عن هذه الأزمة قد جاء من تلقاء أحد الرموز التاريخية للحركة الشعبية الأم.. وهو الدكتور الواثق كمير.. الذي يبدو أن موقفه لجهة تحليل مواقف القادة يتسق كثيرا مع رؤيتنا.. فقد طرح الواثق سؤالا منطقيا.. ما ذنب مواطن المنطقتين.. يعني جبال النوبة والنيل الأزرق.. أن يتحمل لوحده كل هذه المعاناة حتى تتمكن الحركة الشعبية من إسقاط النظام في الخرطوم..؟ ولم لا يحصل هذا المواطن على الحد الأدني من العون..؟ مثله مثل مواطني المناطق الأخرى..؟ وبالنتيجة.. فكل ما ينادي به عرمان عن قومية الحركة وعن دورها في التغيير وعن استمرارها في حمل رسالة قرنق لصنع السودان الجديد.. قد راحت أدراج الرياح.. طالما طغت المناطقية والجهوية على أدبيات الخلاف داخل الحركة..! فنجح الحلو في الحصول على ما يريد من المكون النوبي.. على أقل تقدير في هذه المرحلة.. وهو المطالبة بتغيير وفد التفاوض.. وتغيير وفد التفاوض يعني بالضرورة تغيير نهج التفاوض.. فإلى أي وجهة يريدها أن تمضي الحلو..؟

 

أنا وعرمان.. وظلم ذوي القربى! “5”

أنا وعرمان.. وظلم ذوي القربى! “5”

 

 

أمامي وفق الوقائع احتمالان.. إما أن ينجح الضغط النوبي القادم من تلقاء الجبال.. على مالك عقار.. كما فعل من قبل في حمله على الحرب.. في إجباره هذه المرة على تغيير وفد التفاوض بإزاحة ياسر عرمان عن قيادته.. أو أن يرفض عقار الخضوع لهذه الضغوط فيبقى الموقف مفتوحا على كل الاحتمالات.. ليس أسوأها ان يطالب المكون النوبي في الحركة الشعبية شمال بمسار جديد للتفاوض.. إن لم يطالب بمنبر جديد كليةً.. ولست من أنصار نظرية الدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى.. القيادي السابق بالحركة الشعبية.. القائلة بأن مالك عقار لن يضحي بالنوبة في سبيل الاحتفاظ بياسر عرمان.. ذلك أن عقار يعلم كذلك أن النوبة ليسوا بالإجماع ضد عرمان.. والأهم من ذلك أن عقار سيفكر ألف مرة قبل مجرد التفكير في التخلص من المفكر والعقل المدبر وصانع كل ألعاب الحركة الشعبية عرمان.. صحيح أن عقار يمكن أن يكون في موقف لا يحسد عليه.. ولكن الصحيح أيضا أن خيار التخلص من عرمان يبدو عصيا عليه ولا شك..!
ولئن كنا وغيري في بعض المناسبات نحمل ياسر عرمان مسؤولية رفع السقوفات التفاوضية للحركة الشعبية.. والتشدد في المواقف.. بل والتناقض فيها أحيانا.. إذ هو من جهة يلبي كل مطلوبات الآلية الأفريقية رفيعة المستوى.. والمكلفة بالوصول إلى تسوية في الصراع السوداني السوداني.. من حيث تلبية الدعوة لحضور المفاوضات.. والمشاركة فيها.. وتقديم الأوراق والمقترحات.. لتسريع التفاوض أو تعطيله.. ثم من جهة أخرى هو مستجيب لدغدغة أشواق حلفائه في الكيانات السياسية المختلفة.. حتى نداء السودان.. بالعمل على إسقاط النظام.. فالواقع أن الورقة التي دفع بها السيد عبد العزيز آدم الحلو.. أقول ورقة لأنها في واقع الأمر كانت ورقة عمل أكثر من كونها مجرد استقالة.. أو تثبيت موقف.. والشاهد أن ما طرحه الحلو في استقالته تلك.. بدا أعلى سقفا بكثير من تلك الطروحات التي يتبناها ياسر عرمان.. وإن كنا قد استعرضنا في حلقات سابقة ما أصابت ظهر عرمان من نصالٍ وإن لم تقتله.. فقد جاءت رسالة الحلو كنصل جديد في مسار طريق عرمان الشائك.. لتعيد مرة أخرى السؤال عن فرص استمراره كرقم فاعل.. ورمز حاضر في المشهد السياسي السوداني.. هو ضرب من الظلم آخر من ذوي قرباه ولا شك.. ولكن المؤكد أنه في هذه المرة يتحمل جزءا من المسؤولية.. فإن كان من العصي الآن الزعم بأن المؤتمر الوطني كان له دور في.. ثورة الجبال الثالثة.. كما سمى البعض استقالة الحلو مقروءة مع قرارات مجلس التحرير.. فالمؤكد أن تعثر خطوات ياسر وسوء تقديره في بعض المواقف.. التعامل مع المبادرة الأمريكية في المجال الإنساني مثلا.. كان له دور في الدفع بالأزمة إلى السطح..!
والذين يعرفون الحلو عن قرب.. وأزعم أنني منهم.. يذكرون أنه ليس حريصا على الانفتاح على المشهد السياسي عموما.. لأسباب تخصه.. كما أن المعيار الأساسي لقياس المواقف عنده هو.. الشك مقدما على كل شيء.. حتى يثبت العكس.. والعكس لا يثبت عند الحلو أصلا.. لأنه بدلا من السعي لتعزيز الثقة.. يسعى لتطوير ذلك الشك.. فيأتي كل هذا خصما على علاقاته وعلى صلاته.. وعلى حسن تقديره لكثير من الأمور.. وسأكتفي بهذا.. لأستمتع معكم بمتابعة تفكيك الزميل عادل الباز لاستقالة القائد عبد العزيز آدم الحلو..!

 

حين ترى CNN.. ما لم نره! “1”

حين ترى CNN.. ما لم نره! “1”

 

 

لم يكن غريبا أن تفرد قناة CNN الأمريكية مساحة لاستعراض إيجابي عن السودان.. ولكن الغرابة جاءت من انصراف الإعلام السوداني الرسمي.. ورجاله.. عن التقرير وعن محتوياته.. وعن جدية تقريظهم للسياسة الخارجية لنظامهم.. رغم أنه لم يكن مسبوقا ولا عارضا.. أما عدم الغرابة في أن تقف CNN ذلك الموقف.. وتعرض ذلك العرض.. فسببه أن القناة الأكثر موضوعية.. لم تفعل غير الاعتماد على المعلومات الصحيحة.. كما تبدو في الواقع.. لا كما يراها البعض.. ثم استندت على استدعاء التاريخ.. واستدعاء التاريخ إنما يعني النظرة المحايدة للوقائع.. بل وإعادة قراءة تلك الوقائع على ضوء النتائج التي انتهت اليها.. سيما إذا كان هذا التاريخ معاصرا.. كالتاريخ الذي استدعته CNN في تقريرها الموسوم بـ.. الخرطوم الأكثر ذكاء.. ولعل النموذج الأكثر إثارة بالنسبة للقناة الأمريكية فقد كان استدعاء موقف السودان من الغزو الأمريكي للعراق.. ونذكر الآن أن CNN كانت من أكثر المؤيدين لذلك الغزو وكان فريقها الإخباري الميداني ينقل للعالم أولا بأول مشاهد الغزو.. ولكن القناة لا تتردد في إفراد حيز مقدر في تقريرها ذاك عن صحة موقف السودان في مناهضة الغزو الأمريكي للعراق باعتباره السبب في انهيار أكبر دولة عربية كان من نتاج انهيارها وقوع العالم العربي.. بل والعالم بأسره تحت وطأة عصر الإرهاب..!
ونقتطف من تقرير CNN: (‏ﺇﻥ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ ﻭﺇﻥ ﻇﻬﺮﺕ في ﺑﻌﺾ ﺍﻷﺣﻴﺎﻥ أنها ﺗﺘﻜﺘﻞ ﻣﻊ ﺍﻟﻔﺮﻳﻖ ﺍﻟﺨﺎﻃﺊ، ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻭﺑﻌﺪ مضي ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻋﻘﺪﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﻗﻔﻬﺎ ﺃﻛﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺮﺓ ﺍﻻﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ ﺍﻟﻔﺎﺣﺼﺔ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺭﻓﻀﺖ أي ﺗﺪﺧﻞ ﺿﺪ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ، ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺃﺷﺪ ﺍﻟﺮﺍﻓﻀﻴﻦ ﻟﺘﺪﺧﻞ ﻗﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﺤﺎﻟﻒ التي ﻗﺎﺩﺗﻬﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻹﺯﺍﻟﺔ ﻧﻈﺎﻡ ﺻﺪﺍﻡ ﺣﺴﻴﻦ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺁﻧﺬﺍﻙ ﻧﺎﺑﻌﺎً ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﺑﻘﻮﺓ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﻛﺪﻭﻟﺔ ﻳﻤﻜﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﺗﺨﻠﻖ ﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ في ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ)..!
(ﻭﻛﺎﻥ في ﻣﻘﺪﻭﺭ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﺑﻘﻴﺎﺩﺓ ﺻﺪﺍﻡ ﺃﻥ ﻳﻜﺴﺮ ﺃﻳﺔ ﻃﻤﻮﺣﺎﺕ ﻹﻳﺮﺍﻥ في ﺃﻃﻤﺎﻋﻬﺎ ﺍﻟﺘﻮﺳﻌﻴﺔ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﻤﺮﺟﻌﻴﺎﺕ ﺩﻳﻨﻴﺔ ﻟﻬﺎ ﻃﻤﻮﺣﻬﺎ في ﻧﺸﺮ ﻣﺬﺍﻫﺒﻬﺎ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ، ﻭﻟﻠﺘﻮ ﺭﺑﻤﺎ ﺗﻌﺮﻑ ﺍﻟﺨﻠﻴﺠﻴﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻮﻗﻒ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ الذي ﻧﺎﻫﻀﺘﻪ ﻣﺼﺮ ﺁﻧﺬﺍﻙ ﻛﺎﻥ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻮﻗﻒ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﺬﻯ ﺗﺒﻨﺘﻪ ﻗﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﺏ).
ثم ينقل التقرير إفادات مهمة من ‏ ﺨﺒﻴﺮ ﺍﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﺍلاﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻰ ﺑﻤﺮﻛﺰ ﻭﺍﺷﻨﻄﻦ ﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺍﻷﻭﺳﻂ ﻭﺷﻤﺎﻝ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﺟﻮﻧﺴﻮﻥ ﻣﺎﻛﻠﻴﻦ في قوله ‏(ﺇﻥ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻇﻞ ﻳﻤﺜﻞ ﺑﻌﺪﺍً اﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺎً ﻭﻳﺘﻤﺴﻚ ﺑﻤﻮﺍﻗﻒ ﻛﻨﺎ ﻧﻈﻨﻬﺎ ﻣﺘﻄﺮﻓﺔ ﻭﻏﺮﻳﺒﺔ، ﻭﻟﻜﻦ اﺗﻀﺢ ﺃﻥ ﺗﻤﺴﻚ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﺑﻤﻮﺍﻗﻔﻪ ﻃﻴﻠﺔ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﺘﺮﺓ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺪﻋﻤﻪ ﺧﺒﺮﺓ ﻭﺇﺩﺭﺍﻙ ﺍﺳﺘﻤﺪﻫﻤﺎ ﻣﻦ ﻭﺍﻗﻊ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﺍﻟﻌﻤﻴﻘﺔ ﺑﺎﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ‏).. ويضيف ماكلين عبارة ليست جديدة لدى الكثيرين.. ولكنها تظل ذات مغزى حين يقول ‏(ﻻ ﻧﺒﺎﻟﻎ إﺫﺍ ﻗﻠﻨﺎ ﺇﻥ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺗﻨﻈﻴﻤﺎً ﻓﻰ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻫﻰ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻴﺔ ﺑﺤﺴﺐ ﺭﺻﺪﻧﺎ‏).. فرغم رأي الناس في الحروب الأهلية التي شهدها ويشهدها السودان.. إلا أنها في الوجه الآخر قد تركت حقيقة مهمة مؤداها أن الجيش السوداني بات هو الأكثر خبرة في المنطقة.. كما أن التوظيف الضخم للموارد في التصنيع الحربي قد وضع الجيش في موقع متقدم في هذا المجال..!
وربما يكون الجديد في تقرير CNN هو تحويل الحديث عن المؤامرات الدولية من محض مزايدات حكومية في نظر المعارضة إلى حقائق وقف عندها التقرير مطولا هي الأخرى.. فإلى الغد.

 

حين ترى CNN.. ما لم نره! “2”

حين ترى CNN.. ما لم نره! “2”

 

 

واحد من أهم ملامح التقرير الذي بدأنا الحديث عنه بالأمس.. وقد بثته قناة CNN الإخبارية الأمريكية هو وصفه للقيادة السياسية للسودان بالأذكى في المنطقة.. وقدم التقرير عددا من الشواهد ليدلل بها على تلك الخلاصة التي انتهي اليها.. ولعل أبرزها.. نجاح النظام الحاكم في الخرطوم في الاحتفاظ بعلاقات معتدلة مع جل إن لم يكن كل أطراف المعادلة في المنطقة وفي الإقليم.. ولعل نظرة عجلى لحدة التباين في المواقف بين عدد من دول المنطقة.. وحرص السودان.. رغم هذا التباين.. على تجسير علاقاته مع كل الأطراف ما يؤكد أن تقرير القناة الأمريكية لم يكن من فراغ.. ولم يكن اجتهادا لا تسنده وقائع.. ولعل الأمثلة والشواهد كثيرة.. للتدليل على نجاح السودان في إدارة علاقاته في أجواء ملبدة بالغيوم.. إن لم تكن عاصفة بالفعل.. فدونك احتفاظ السودان بعلاقاته مع كل من إثيوبيا ومصر على حدٍ سواء.. رغم كل ما بين البلدين بسبب سد النهضة.. ثم نجاح السودان في التحرك بيسر في محور السعودية مصر.. رغم ما يشهده هذا المحور من توتر.. ثم يظل التعاطي السوداني مع كل من قطر ومصر.. كلا على حدة بالطبع.. رغم أن بين البلدين ما صنع الحداد.. يمثل نموذجا لما تحدثت عنه CNN.. في تقريرها.. الخرطوم الأكثر ذكاءً..!
ولعل قمة هذا الذكاء قد تبدت في حقيقة أن السودان حين بدأ يتلمس خطاه نحو دول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية.. كان في الواقع ما يزال يحتفظ بعلاقاته مع إيران.. وكان ذلك مقبولا في العواصم الخليجية لأسباب قدروها هم.. لذا فإن الحديث عن انقلاب ميكيافيلي في علاقات السودان بإيران.. لصالح الخليجيين.. لا يبدو صحيحا البتة.. فالخرطوم هي التي سبقت الجميع في التنبؤ بتنامي الخطر الحوثي في اليمن.. وستذكر الرياض دوما أن الخرطوم هي التي نبهتها لذلك.. ثم نذكر كلنا أن طهران هي التي دفعت بالجميع إلى حافة الهاوية.. الهجوم على السفارة السعودية.. مقروءا ذلك مع الدعم الإيراني المعلن والمفتوح للحوثيين في اليمن.. كان طبيعيا إزاءه انتقال السودان الكامل إلى المربع الآخر.. إذن.. الانضمام لعاصفة الحزم.. وإغلاق المؤسسات الإيرانية في السودان.. ثم إنهاء العلاقات الدبلوماسية معها.. كانت كلها ترجمة عملية لمواقف تجذرت مسبقا.. وليست مواقف خلقتها ظروف عابرة.. وفي ذلك ضرب من ضروب الذكاء لا تخطؤه عين.. ولعل إعادة قراءة الوقائع.. كما أشرنا بالأمس.. وعلى ضوء التقرير الأمريكي.. أو تقرير القناة الأمريكية.. الموسوم بـ (الخرطوم الأكثر ذكاء).. وبإعادة قراءة تلك الأحداث.. وكيف حدثت.. ومن يقف خلفها.. كل ذلك سيجعل من السهل أن نستنتج ماذا يعني تقرير CNN .. حين يتحدث عن ذكاء الخرطوم.. فالذكاء هنا لن يكون منسوبا لمجهول.. ولكن الغرب.. كل الغرب بالطبع في فمه ماء.. حين يكون الحديث عن رقم (1) في السودان..!
وكانت ملاحظتنا الأولى بالأمس.. ونختتم بها اليوم.. أن ذلك التقرير.. وهو الأهم من نوعه.. لم يجد حظه في الإعلام السوداني.

 

الخطيب بين.. تفكيك الحزب وتوحيد الحركة!

الخطيب بين.. تفكيك الحزب وتوحيد الحركة!

 

 

بغض النظر عن رأي صحيفة الميدان والقائمين بأمرها في شخصنا الضعيف.. ولكني ما زلت عند رأيي أن الميدان ستظل تقف دليلا ساطعا على جدية الحزب الشيوعي السوداني في التحول الديمقرطي.. وقد قلت رأيي هذا على الهواء مباشرة عبر إحدى الفضائيات حين سئلت عن جدية المعارضة في الحوار والتحول الديمقراطي.. وقلت إن استمرار صدور صحيفة الميدان رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها أمر يحسب للحزب لا عليه.. ويؤكد جديته في التحول الديمقراطي.. ولعله ولهذا السبب وجدتني صباح الأمس أكثر تعاطفا مع الميدان.. وهي تنقل لقرائها خبرين.. إن لم يكونا متناقضين فهما يعكسان تناقض قيادة الحزب الذي تتحدث باسمه الصحيفة.. وقلت في سري.. لو كنت مكان مسؤول التحرير في الصحيفة لحجبت أحد الخبرين عن النشر.. إن لم يكن في ذات اليوم.. ففي ذات الصفحة على الأقل..!
أما الخبر الأول فهو عبارة عن تصريح منسوب للسكرتير السياسي للحزب السيد محمد مختار الخطيب.. اختارت له الصحيفة عنوانا يقول: (نعول على قدرة وحكمة الحركة الشعبية شمال في احتواء الخلافات).. أما نص الخبر الذي جاء في الجزء الأخير من تصريح للخطيب، فقد قال فيه: (وحول الخلافات التي برزت وسط الحركة الشعبية شمال مؤخراً قال الخطيب: “إننا في الحزب الشيوعي نعول على قدرات وحكمة الحركة الشعبية في احتواء التباينات في المواقف، ومراجعتها على أسس ديمقراطية وشفافة، متوخين مصالح شعب السودان، ومصلحة المواطنين في مناطق العمليات، الذين عانوا وصبروا من أجل حل عادل لقضاياهم” مضيفاً أن: “وحدة الحركة الشعبية تعزز وحدة المعارضة وتقوي عودها ويقترب أوان انتصار شعبنا”..) ولعمرنا هذا حديث طيب يعزز من قيم الحكمة والسعي للم الشمل وتوحيد الصفوف بحسبانها السبيل الأوحد لإنجاز التغيير.. ولعل المراقب يفترض أن مثل هذا الحديث لا يصدر إلا من شخص ملتزم به ساع له حريص عليه.. ولكن..!
ولكن هذه هي الأكمة التي تختفي وراءها المصيبة.. فعلى بعد سنتمرات محدودة من التصريح الإصلاحي للسكرتير السياسي للحزب.. يفاجأ القارئ لصحيفة الميدان.. بما عنوانه.. (بيان جماهيري حول فصل 22 عضوا بسبب التكتل).. ويكفي أن يكون النشر في الميدان ليؤكد صحته.. ثم ينفي أي تورط للأجهزة الأمنية أو الحزبية المناوئة في فبركته وتزييف إرادة الجماهير.. وهي الجماهير التي صدر باسمها البيان.. ولعل السؤال البديهي الذي يفرض نفسه حين نطالع هذا البيان الجماهيري الذي يحمل لقراء صحيفة الحزب فصل 22 عضوا من حزبهم وعلى رأسهم رجل في قامة الدكتور مصطفى خوجلي.. فلا شك أن كل من قرأ تصريح السكرتير السياسي الموجه للحركة الشعبية سيسأل نفسه ثم يسأل السكرتير السياسي.. أين كانت هذا الحكمة و.. أين كان حسن التقدير.. وأين كان الحرص على وحدة الصفوف.. حين غادر قادة الحزب واحدا تلو الآخر.. ثم اختتم المشهد بمجزرة الـ(22)..؟
ثم، وعلى ذكر مناشدة السكرتير السياسي للحركة الشعبية بتحكيم صوت العقل وسيادة الحكمة.. لماذا كان موقفه (باردا) حين توجه إليه خيرون حريصون على وحدة الحزب ووحدة القوى السياسية وعلى تعافي المشهد السياسي.. بنداء مماثل؟.. ألم يقل إن الأمر شأن داخلي لا مجال فيه للوساطات..؟ إذن لمَ يجيز لنفسه ما حرمه على الآخرين..؟

 

هيبة الدولة.. من أضاعها هناك؟! “1”

هيبة الدولة.. من أضاعها هناك؟! “1”

الكبابيش وحمر أو حمر والكبابيش وهي القبائل العربية التي تنتشر مضاربها إلى الشمال من خط العرض 30 بين ولايتي شمال وغرب كردفان.. وقد تعجز عن حصر المشتركات بين القبيلتين.. وفي المقابل ستجد أن الذي يفرق جد محدود.. لذا سيكون مدهشا أنه وفي ظرف أسبوع واحد سقط العشرات قتلي من الجانبين.. بينما العشرات نقلوا إلى المشافي مضرجين بدمائهم.. نسبة التداخل بين القبيلتين عالية.. اقتصاديا واجتماعيا.. من حيث التبادل التجاري والتساكن والمنافع المتبادلة عموما.. هذا غير الإثنية الواحدة واللغة الواحدة والدين الواحد والثقافة الواحدة.. بل والأرض الواحدة والبيئة الواحدة.. والبداوة الراكزة.. القائمة أصلا على التوادد والتراحم والتسامح.. بل والدعم والمساندة.. بدءا بالعشيرة فالقبيلة فالجوار.. فما الذي حدث هناك.. وبدل الحال وهدد المآل..؟
ثمة إجماع على ثلاثة عناصر رئيسة تنسحب على كل السودان.. وتهدد نسيجه الاجتماعي واستقراره الأمني.. أولها إضعاف الإدارات الأهلية وتهميشها.. ثم تحويل هذا الدور الأهلي إلى منصب سياسي.. وبذهاب هيبة الإدارة الأهلية ذهبت هيبة الدولة نفسها.. والراصد الأمين للتاريخ السياسي المعاصر يلحظ دون جهد مسؤولية اليمين واليسار على حد سواء في هذه الجريمة.. وكما يقول لي مراقب فنظرية التغيير عند اليمين أو الحداثة عند اليسار قد فات عليها أن التغيير والتحديث يجب أن يبدآ من المجتمع نفسه.. والذي بدوره سيفرز قيادته وفق تطور طبيعي.. ولكن الذي حدث سواء في مايو اليسارية أو الإنقاذ اليمينية.. أن انطلقت دعاوى هدم القديم وصناعة التغيير والذي حدث أن التغيير قد طال القيادات دون أن يستصحب القواعد.. وقبل ذلك فإن هدم القديم قد تم دون توفير بديل موضوعي قادر على مواجهة الموقف.. والوفاء بالمطلوب.. فكانت النتيجة هذا الانفلات القبلي المدمر.. أما العنصر الثاني فهو انتشار السلاح.. وسهولة الحصول عليه.. وأحيانا بثمن بخس.. وخاصة في المناطق الريفية.. وتزداد المسألة إثارة حين نذهب للمناطق البدوية.. حيث هناك للسلاح قيمة إضافية مستقلة.. وكلما ازدادت قيمة السلاح وضراوته.. ازدادت قيمة صاحبه أو حامله.. وحين يتوفر السلاح الحديث.. تكون الحرب مطلوبة أحيانا.. ليس بالضرورة أن يخرج الفارس شاهرا سلاحه بحثا عن حرب.. ولكنه في ذات الوقت سيكون أكثر حماسا لخوض غمارها طالما كان مدججا بسلاحه الحديث.. بل يمكن أن يكون اكثر استعدادا لـ(نفخ) الجمرة الصغيرة وتحويلها إلى حريق هائل لمجرد تجريب سلاحه الحديث.. ولن نسأل هنا غير الحكومة عن المسؤولية في ظاهرة انتشار السلاح..!
أما العنصر الثالث فهو النهج الذي اتبعه الحكم الاتحادي والذي كان في الواقع تكريسا للجهوية والقبلية.. وفي أحسن الأحوال المناطقية.. فأصبحت جل.. إن لم تكن كل.. الوظائف العامة.. حتى ذات الحساسية العالية.. مثل المسؤوليات الأمنية والقانونية قائمة على التوزيع الجهوي.. وأحيانا العشائري.. فأصبح الموظف.. وهو في ذروة القيام بواجباته الوظيفية.. يتذكر القبيلة أو العشيرة التي أتت به لهذه الوظيفة.. قبل أن يتذكر الدولة التي يمثلها.. والتي توفر له راتبه ومطلوبات القيام بوظيفته.. فتتقدم هيبة القبيلة على هيبة الدولة.. والمدهش أن بعض المسؤولين يتحدث عن غياب هيبة الدولة.. وكأن آخرين كانوا وراء ضياعها..!
غدا نقدم لكم تأكيد ما ذهبنا إليه بالتطبيق على واقع الصراع القبلي الأخير..!

مقالات مشابهة

هيبة الدولة.. من أضاعها هناك؟! “2”

هيبة الدولة.. من أضاعها هناك؟! “2”

 

 

استعرضنا بالأمس ثلاثة عناصر رئيسة تقف وراء تفاقم ظاهرة الصراعات القبلية.. التي تحولت إلى مواجهات دامية.. لم تنج منها أية بقعة في السودان.. والعناصر الثلاثة هي.. تفكيك الإدارة الأهلية بشكلها التقليدي دون توفير بديل موضوعي لها.. ودون تهيئة المجتمعات المحلية لتلك النقلة التي قلنا إنها قد استهدفت القيادات دون القواعد.. ثم انتشار السلاح.. لا من حيث الكم فحسب.. بل من حيث النوع والقدرة التدميرية أيضا.. حتى باتت حصائل تلك المواجهات.. مهما كانت تلك المواجهات محدودة.. أرقاما مفزعة من الضحايا.. بين قتيل وجريح.. أما العنصر الثالث فهو النهج الذي سار ويسير عليه الحكم الاتحادي بتحويل الوظائف العامة إلى قبلية أو جهوية أو مناطقية.. مما انعكس سلبا على فاعلية تلك الوظائف.. ونعني شاغليها بالطبع.. في القيام بواجباتهم الوظيفية التي تحتمها عليهم مهام وظائفهم.. دون النظر إلى قبيلة أو عشيرة أو منطقة..!
وعند العنصر الثالث هذا نتوقف قليلا اليوم.. كما وعدناكم بالأمس.. للنظر لمواجهات الكبابيش وحمر من زاويتها.. على حدة هذه الزاوية.. ولن نقف عند تأخر التدخل الحكومي في وقت مبكر من الأزمة.. كما لن نقف عند تلكؤ الإدارات الأهلية في المنطقة.. على ضعف حيلتها.. وسنعتبر كل ذلك ضربا من ضروب سوء التقدير.. ولن نعتبره تواطؤا بأي حال من الأحوال.. وقد يدرجها البعض تحت المسؤولية التقصيرية.. وهذا حقهم أيضا.. وسنتجاوز كل ذلك لنعود إلى ما اعتبرناها أس الأزمة.. وموقد الشرارة.. ولأن حديثي هنا ليس معنيا بإدانة أي من طرفي النزاع من القبيلتين.. ولا التوثيق للوقائع.. بقدرما يعني الاستشهاد بتلك الوقائع لتوضيح خطورة العنصر الثالث الذي تحدثنا عنه اعلاه.. فسأورد هذه الواقعة دون أسماء.. وبدءا نقول إن ثمة واقعة اعتداء على نفس بشرية وإزهاق روحها منذ سنوات دون أن ينال الجاني جزاءه رغم توفر شك عظيم بأن الجاني أو الجناة معروفون للسلطات..!
وتعود هذه الواقعة للعام 2015.. حيث وجدت سيدة تنتمي لإحدى القبيلتين مقتولة في منطقة تتبع للقبيلة الأخرى.. ولم تكن عابرة بل كانت من المقيمات في المنطقة.. وبالبحث ولتقصي.. حسب إفادات شهود عيان.. أنه تم التعرف على الجناة.. أو على الأقل المشتبه فيهم.. وتم توقيفهم بالفعل من قبل السلطات.. ثم أطلق سراحهم.. وتكررت هذه العملية أكثر من مرة.. بدا الأمر وكأن ضغوطا وضغوطا موازية تتعرض لها السلطات.. وفي رأي قريبين من الأحداث أن الاحتقان الذي خلفه عدم حسم تلك القضية منذ أكثر من عامين كان واحدا من أسباب الانفجار الحالي.. كما أن التهاون في السابق ولا شك يعطي كل راغب في التصعيد.. المبرر والتطمين الكافي للانطلاق في العنف حتى آخر الشوط..! وغني عن القول إن التساهل في تطبيق الإجراءات تحفه في كثير من الأحيان مفاهيم إعلاء قيمة القبيلة والعشيرة على قيمة الوطن.. وهذا أس الداء..!

 

لو صبر الناقد.. لأنصف الصندوق

لو صبر الناقد.. لأنصف الصندوق !

 

تابعت الأسبوع الماضي حدثين.. ولكن في مسارين على طرفي نقيض.. كان الحدث الأعلى صوتا بالتأكيد هو احتفالات الصندوق القومي لرعاية الطلاب بمرور خمسة وعشرين عاما على تأسيسه.. وبلوغه سن الاحتفال بيوبيله الفضي.. وبالمقابل طالعت نقدا حادا طافت به المواقع الإسفيرية موجه للصندوق.. ولعل ما لفت نظري لذلك النقد ما أثاره الزميل الأستاذ ضياء الدين بلال من ملاحظة قبل أيام قال فيها إنه لاحظ بوضوح أن ظاهرة الهجوم المتصل على الصندوق في الصحف قد تراجعت كثيرا حد الاختفاء تماما.. مما يعني أن الصندوق قد تجاوز الكثير من التعقيدات التي كانت تقعد بأدائه في الفترة الماضية.. ولعل الذي وجه ذلك النقد للصندوق كان خارج السياق الذي أشار اليه ضياء.. كما أنه اختار عامدا أن يطلق نقده الحاد ذاك بالتزامن مع اليوبيل الفضي.. أما وقد جاء ذلك النقد غفلا عن التوقيع فعصي تحديد مرامي وأهداف الكاتب بوضوح..!
ولكن السؤال الذي طرحه الناقد ذاك نفسه يصلح في الواقع أن نجعله موضوعا لنا ونحاول البحث عن إجابة له.. علها تشفع للصندوق إقدامه على هذا الفعل.. وهو الاحتفال بمرور ربع قرن على تأسيسه..
وقبل الخوض في ذلك دعونا نتفق ابتداء.. أن من يعمل يخطئ ويصيب.. وهذه هي النقطة الأولى في صالح الصندوق.. ولعل استعراضا سريعا للتاريخ القريب لهذا الصندوق وبرصد سريع لوسائل الإعلام يكشف بجلاء أنه ما مر شهران على هذا الصندوق والقائمين على أمره.. إلا وقد افتتحوا مدينة سكنية جامعية.. لاستيعاب مئات الطلاب والطالبات.. أو وضعوا حجر الأساس لأخرى.. في العاصمة كان ذلك أو في الولايات.. علمت مؤخرا أن مدينة ضخمة شيدت على نفقة رجل أعمال مشهور وسميت باسمه كان إسهام الصندوق في كلفتها أكثر من ستين في المائة.. إذن هذا الجهد قابل أن تتخله هنات وثغرات.. بل وأخطاء حتى.. فما المشكلة؟..!
الذي حمل على الصندوق تلك الحملة الشعواء فات عليه هذا المبدأ ولا شك.. ولكن الناقد قد غرق في شبر موية كما يقول المثل.. فالحديث عن انقطاع المياه بالداخليات يبدو نموذجا غير موفق لإخفاقات الصندوق.. في وقت تعجز فيه حكومة ولاية بحالها عن حل مشكلة مياه الشرب.. ثم يغرق ذات الناقد في بحر لجي من الاستعلاء الصفوي.. حين يتحدث عن معاناة طلاب أفضل كليات الطب في السودان..! ولعل المفارقة أن ذات الداخليات التي يتحدث الناقد عن نقص الخدمات فيها كانت في بؤرة اهتمام الصندوق تماما.. فعلى شرف اليوبيل الفضي الذي اعترض البعض على الاحتفال به كانت هناك مباراة طرفاها فريقا الهلال والمريخ.. ومعروف أن هلال مريخ هي الأعلى دخلا بين كل المباريات.. فقد أعلن الأمين العام لصندوق رعاية الطلاب.. قبل أن تنطلق صافرة الحكم.. أن عائد المباراة سيخصص لتأهيل داخليات حسيب.. وهي ذات الداخليات التي استشهد بها الناقد في مقاله المتطرف ذاك.. ولو أن الناقد صبر قليلا لوجد مبتغاه في برنامج اليوبيل نفسه..!
نفهم أن تكون ثمة ملاحظات على أداء الصندوق.. مثله مثل كل مؤسسة تعمل في خدمة آلاف.. تتعدد احتياجاتهم.. وتتمدد مساحات وجودهم.. نفهم أن يتناول النقد إخفاقات وسلبيات وحتى أخطاء الصندوق.. ولكن محاولة إهالة التراب على كل جهود وإنجازات مؤسسة قفزت بسعة السكن الجامعي من بضعة آلاف فقط.. إلى أكثر من مئة وسبعين ألف فرصة سكن.. ليس بالعدل ولا بالإنصاف.. إن لم يكن هو الغرض.

 

في مكافحة المخدرات.. أين المجلس الأعلى!

في مكافحة المخدرات.. أين المجلس الأعلى!

ماذا يستفيد الشعب السوداني إذا جلس الدكتور الجزولي دفع الله في المقعد المخصص لرئيس وفد السودان في مؤتمر دولي لمكافحة المخدرات..؟ أظن.. وليس كل الظن إثما.. ان الإجابة.. لا شيء.. ولكني أظن جازما أن شعب السودان يخسر كثيرا إذا فشلت اللجنة القومية لمكافحة المخدرات حتى في إدارة الميزانية المخصصة لها من الدولة.. ويخسر شعب السودان كثيرا جراء تكدس الدنانير في خزائن اللجنة القومية لمكافحة المخدرات.. بينما المخدرات تنخر في عضد المجتمع.. وسوس الإدمان يفعل فعله في الشباب.. سؤال: هل صحيح أن الدولة تخصص ما يقارب المائة وخمسين ألف جنيه.. تنقص قليلا أو تزيد.. للجنة القومية لمكافحة المخدرات..؟ يقال إن هذا المبلغ يمثل الميزانية الشهرية لهذه اللجنة.. وقد سألت عن إنجازات هذه اللجنة في الشهر الواحد.. فحدثني من أثق فيه أنها ـ أي اللجنة القومية لمكافحة المخدرات ـ تنظم إفطارا.. أو ما يقوم مقامه في العام.. لم أفهم العلاقة بين تلك المأدبة وبين مكافحة المخدرات.. كما علمت أنها تنظم بعض الأسفار لقادتها.. أي اللجنة القومية لمكافحة المخدرات.. كالرحلة الأخيرة إلى فيينا.. والتي يقال إن نزاعا قد نشب فيها حول من الأولى بالجلوس على كرسي رئيس الوفد.. ويقال كذلك إن الأزمة سببها السفير هناك..!!!
وفي المقابل.. وعلى ذكر هذه الميزانية المقدرة.. فقد نما إلى علمي أن مركزا يعمل في مجال تأهيل ضحايا الإدمان يحصل على مبلغ عشرة آلاف جنيه فقط.. في الشهر.. والطريف أن ذات المركز مطلوب منه أن يدفع مبلغ اثني عشر ألف جنيه لشركة النظافة فقط.. ألا تجعلنا هذه المعلومات.. إن صحت.. نرفع الصوت مطالبين بمراجعة موضوع مكافحة المخدرات هذا.. بل ومراجعة السياسات كافة التي تحكم هذا الملف.. وإعادة النظر في العقول التي تدير هذا الملف؟.. ذلك ببساطة أن ثيرمومتر قياس انتشار المخدرات في السودان في ارتفاع مطرد.. وأن معدل انتشارها في المجتمع السوداني يثير الجنون.. والأخطر من ذلك أن معدلات الانتشار هذه تكاد تتساوى في كل الطبقات.. وكل الجهات.. وكل الفئات العمرية.. صحيح أن الفئة الغالبة هي فئة الشباب.. ولكن هذا لا يعني أن بقية الفئات العمرية بمنأى عن انتشار هذه الظاهرة الخطيرة.. وحين يكون معدل التعاطي في نمو مطرد.. فهذا يعني أحد احتمالين.. إما غياب أي خطة لمكافحة تزايد معدلات التعاطي هذه.. أو وجود الخطة ولكن مع فشلها في تحقيق أهدافها لأسباب عدة يمكن حصرها إن دعا الأمر..!
والآن.. وبعد انتشار الظاهرة وغزوها الأحياء والمدن.. والريف والحضر.. بل والجامعات والمدارس.. وبعد انتظار شارف على ثلاثة أعوام.. يصبح من الطبيعي أن يتساءل المراقبون: أين المجلس الأعلى لمكافحة المخدرات..؟ والسؤال هذا لا يطرح من فراغ.. بل يستمد مشروعيته من قرار رئاسي أعلنه رئيس الجمهورية بنفسه في السادس والعشرين من يونيو من العام 2013.. ففي ذلك اليوم وجه الرئيس بقيام المجلس الأعلى لمكافحة المخدرات.. على أن يكون برئاسة نائب رئيس الجمهورية.. ومنذ ذلك التاريخ لم يحدث شيء.. ورغم كل الانتشار المرعب للمخدرات.. ورغم كل الحاويات التي ضبطت أو تلك التي تسربت.. ورغم شكوى مدير شرطة مكافحة المخدرات.. ورغم كل شيء.. لم يحرك أحد ساكنا لتفعيل القرار الرئاسي بقيام المجلس الأعلى لمكافحة المخدرات.. بأمانة عامة مختصة وذات اختصاص يقودها خبير قادر على الفعل.. مدرك لما يفعل.. لا واحدا من أرباب المعاشات.. أمانة عامة تحدد مهامها وتخصص ميزانيتها.. يديرها موظفون مسؤولون لدى الدولة لا متطوعون هواة.. لا يفعلون شيئا.. ولا يسألون عما يفعلون..!